محمد بن جرير الطبري
150
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
صناعاته ، يقال له : براز ، رقه منه لذلك السبي ، اراده ان يستأنسوا ببراز لحال ملته ، ويسكنوا اليه واما سائر مدن الشام ومصر فان يخطيانوس ابتاعها من كسرى بأموال عظيمه حملها اليه ، وضمن له فديه يحملها اليه في كل سنه على الا يغزو بلاده ، وكتب لكسرى بذلك كتابا ، وختم هو وعظماء الروم عليه ، فكانوا يحملونها اليه في كل عام . وكان ملوك فارس يأخذون من كور من كورهم قبل ملك كسرى أنوشروان في خراجها الثلث ، ومن كور الربع ، ومن كور الخمس ، ومن كور السدس ، على قدر شربها وعمارتها ، ومن جزية الجماجم شيئا معلوما ، فامر الملك قباذ بن فيروز في آخر ملكه بمسح الأرض ، سهلها وجبلها ليصح الخراج عليها ، فمسحت ، غير أن قباذ هلك قبل ان يستحكم له امر تلك المساحة ، حتى إذا ملك ابنه كسرى امر باستتمامها واحصاء النخل والزيتون والجماجم ، ثم امر كتابه فاستخرجوا جمل ذلك ، واذن للناس إذنا عاما ، وامر كاتب خراجه ان يقرا عليهم الجمل التي استخرجت من أصناف غلات الأرض ، وعدد النخل والزيتون والجماجم ، فقرا ذلك عليهم ، ثم قال لهم كسرى : انا قد رأينا ان نضع على ما احصى من جربان هذه المساحة من النخل والزيتون والجماجم وضائع ، ونأمر بانجامها في السنة في ثلاثة أنجم ، ونجمع في بيوت أموالنا من الأموال ما لو أتانا عن ثغر من ثغورنا ، أو طرف من أطرافنا فتق أو شيء نكرهه ، واحتجنا إلى تداركه أو حسمه ببذلنا فيه مالا ، كانت الأموال عندنا معده موجوده ، ولم نرد استئناف اجتبائها على تلك الحال . فما ترون فيما رأينا من ذلك واجمعنا عليه ؟ فلم يشر عليه أحد منهم فيه بمشوره ، ولم ينبس بكلمة ، فكرر كسرى هذا القول عليهم ثلاث مرات فقام رجل من عرضهم وقال لكسرى : ا تضع أيها الملك - عمرك الله - الخالد من هذا الخراج على الفاني من كرم يموت ، وزرع يهيج ، ونهر يغور ، وعين أو قناه ينقطع ماؤها ! فقال له كسرى : يا ذا الكلفه